“قطر.. مع كل فكرة مشروع يتجسد” هو عنوان مقالة كتبتها في مدونتي قبل 10 سنوات (2011)، وفي كتابي حقيبة سفر (صفحة 115).. وقد عدت حينها من رحلتي إلى الدوحة لثاني مرة، بعدما كانت الزيارة الأولى عام 2005..
شعور الغربة عن الوطن، ثم العودة إليه بعد طول غياب، من بين أكثر التجارب الإنسانية خصوصية وحميمية.. لحظات قد يعيشها أي منا بأسلوبه الخاص، وينظر إليها بمنظاره الخاص. نشعر حقا أن حياة الكثيرين ممن عرفنا…
في هذه الأيام المباركة وبمناسبة عاشوراء تشتهر بلدتي بتحضير طبق “إباون” كوجبة مفضلة، وبينما كنت في تأمل لهذه المناسبة الحميمية وما يصاحبها من تبادل للتهاني والكلام الطيب، تذكرت بالخير مناسبة ومبادرة قبل حوالي 28 سنة من اليوم.
تسنى لي فيما مضى الاطلاع على قدر معتبر من الكتابات عن الهجرة والمهاجرين، من خلال روايات أو مقالات أو تقارير ووثائقيات، وهو موضوع استهواني كثيرا بما يحويه من قصص التحدي والعيش في ظروف خاصة يرسم بها روادها مسارات حياتهم الخاصة.
مع تصاعد حمى الانتخابات، وظهور بوادر الشحن والتشنج المعتادة للأسف ولو أنها أكثر حدة في بعض المناطق مقارنة بغيرها، وماهي سوى عجلة الزمن في حركيتها ودورانها وفق سنن كونية، وكأننا نستذكر مراحل ماضية كنا قد شهدناها أو سمعنا أو قرأنا عنها.
من بين العبارات الرمزية التي أسمعها من والدي حفظه الله كلما واجهته عقبة أو أغلقت أمامه نافذة كان يرى فيها حلا.. أو كلما خرج من أزمة ومشكلة.. وهذا ما دأبت عليه كذلك في حياتي الشخصية والمهنية، وهو أسلوب تربوي بعيد عن الشكوى والتذمر والبكاء على الظروف.. وهي ردة فعل مباشرة صارمة من عقلي كلما نطق لساني وقال: “مافيهاش”.
قبل أيام كنت منشغلا بإتمام ملف إداري في بلد من بلاد الناس، وبما أن الملف يتطلب مني زيارة أكثر من مكتب ومؤسسة، رسمت مخطط تنقلاتي ورتبتها وتوكلت على الله متسلحا بقدر كبير من شحنات الصبر، وجرعات الحِلم، رافعا سقف الحذر عاليا، عاملا بمبدأ تمني الأفضل وتوقع الأسوأ.. وهذا ما دأبت عليه بسبب التجارب المريرة التي اجتزتها فيما سبق من حياتي..
ذات يوم من أيام الطفولة المليئة بالشغب ما ظهر منها وما بطن.. أرسلني أخي الأكبر حفظه الله لأحضر الفطور لثلاثة عمال من إخوتنا الماليين وقد كانوا في مهمة إصلاحات وصيانة لبيتنا السابق تحضيرا لمناسبة عرس في العائلة (ذلك البيت تم حرقه وتخرييه لاحقا على يد المجرمين لعنة الله عليهم)..
ذلك الشعور الخاص الذي يجعلنا نتأرجح بشدة بين الخوف والرجاء، تتبادر لأذهاننا سيناريوهات ونستغرق في رسم احتمالات وافتراض قرارات بناء عليها.. لا تفصلنا سوى أيام أو ساعات لنقف أمام الحقيقة التي تزيل الشك.. وحينها نكتشف أننا تمادينا في الهم والاهتمام.. أو قصرنا فيه.. ونادرا ما تكون هناك منزلة بينهما..
يحدث أن تتمنى الحصول على شيء أو أمر ما، تسعى إليه جاهدا، تتحمل في سبيل ذلك الكثير من العنت، تصبر على مشقة الطريق، وتضحي لأجل الهدف مستنزفا كل رصيدك من الأمل والألم، ولكن ما إن تحين لحظة الوصول، وما إن تؤدي المطلوب بشكل شبه كامل، ولا تبقى أمامك سوى عقبة جزئية ضئيلة، تكاد ترى الماء وأنت في أوج العطش، تكاد تلمس الإنجاز وأنت في قمة الشغف، تأتيك الخيبة من حيث لا تدري، تصعقك النتيجة حينها مظلمة سلبية، تنكشف الحقيقة أمامك بأنك فشلت.. نعم فشلت..